الذَّاهبون

محمد عبد الباري

الذَّاهبون أَهِلَّةً وغَماماً
تركوا شبابيكَ البيوتِ يَتامى

خرجوا ولم يجدِ الفراغُ خلاصَه
أبداً ولم تَلِدِ الجبالُ خُزامى

خرجوا ولا أسماءُ تحرسُهم وقد
كانت ملامحُهم تسيلُ هَلاما

لا يحملون سوى القليلِ من الذي
في ضوئِه نحتوا المجازَ رُخاماً

ها هم وقد سقط المكانُ وراءَهم
وأمامَهم والوقتُ عنهم قاما

دخلوا القصيدةَ وهي تُغلِقُ نفسَها
وتجمَّعوا في الذكرياتِ رُكاماً

فيما شقوقُ الليلِ تسألُهم: متى؟
ولِمَ؟ وكيف؟ ومَنْ؟ وهل؟ وعَلاما؟

وصلوا إلى الصحراءِ سابعَ ليلةٍ
تبكي وقد نصبوا الحنينَ خياما

هم صوتُنا الآتي من الوسواسِ إنْ
حاصرتَه لِتَحُدَّ منه تنامى

لا شكَّ هذا الملحُ في أجسادِنا
منهم ولن نَعمى ولن نتعامى

لا يستطيعُ الماءُ ينسى أنه
ينسى ويرفضُ غُربةً ومُقاماً

لا خَلْفَ للأنهارِ لا تاريخَ لا
نستالجيا أبداً تسيرُ أماما

هي وحدَها من لم تقفْ في عمرِها
لتقولَ للطَّلَلِ الأخيرِ سلاما

لكأنَّ مُطلِقَها تجاهَ مصبِّها
جعلَ الرجوعَ إلى الوراءِ حراما

يا أنتَ أندلسُ المكانِ قريبةٌ
مقدارَ ما القوسُ استعادَ سهاما

سلِّمْ على المفتوحِ من أبوابِها
وادخلْ لتقترحَ الكؤوسَ ندامى

لا بأس دع عينيكَ في حزنِهما
أمويتانِ وتطلبانِ شآما

لا تخشَ من قشتالةَ فالآنَ قد
صارت أقلَّ توجُّساً وصداما

قالت لظلِّك حين سلَّم نفسَه
غِبْ ثم عُدْ بعد الغيابِ لِماماً

هي حِصَّةٌ لك في الرجوعِ فسمِّها
مثلي “زيارةَ أصدقاءَ قُدامى”

يا أنتَ أندلسُ الزمانِ بعيدةٌ
جداً فكنْ لليائسينَ إماما

غرناطةٌ ما لا يُزارُ لأنَّها
وقتٌ وهذا الوقتُ صارَ حُطاما

لا تنخدعْ بالضوءِ فوقكَ نجمةٌ
نامت ولكن ضوؤُها ما ناما

إنَّ الموشَّحَ عادَ عن ترتيبِه
والصقرُ في الراياتِ طارَ حَماما

لا تسألِ الأبوابَ عنك وقل لها:
يا لوحةً لا تعرفُ الرَّسَّاما

فيما وأنت تشيخُ في هذا الصدى
وعلى الدخانِ تعلِّقُ الأيَّاما

صِفْ لي وقوعَك في الرثائياتِ كي
يقعَ الغريبُ على الغريبِ تماماً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top