ليس بدعاً
ليسَ بِدَعاً أَن يعصِفَ المَوتُ حيا
إِنَّ للحيِّ رجعةٌ للوَراءِ
لا وَلَيسَ الفَناءُ خَطباً جَليلاً
كُلُّنا سائرٌ ليَومِ اِنتِهاءِ
إِنَّما الخَطبُ أَن يَموتَ عَظيمٌ
مالَهُ في الحَياةِ مِن أَكفاءِ
إِنَّما الخَطبُ أَن يَموتَ أَبو القا
سم وَهُوَ المصباحُ في الظَلماءِ
خَبِّروني أَقاسمٌ وَدّع الدُّن
يا وَأَمسى في أَعمَقِ الغبراءِ
إِن يَكن قاسمٌ مَضى فَاَخبِروني
ما بَقاءُ المَريخِ وَالجَوزاءِ
لَم يَمُت قاسمٌ وَهَل ماتَ يَوماً
رجلٌ كانَ شُعلةً مِن ذَكاءِ
هُوَ باقٍ عَلى اِختِلافِ اللَيالي
وَسَيَبقى مُخَلَّداً في السَماءِ
قَد يَموتُ الذَليلُ في كُلِّ شَيءٍ
في أَمانٍ في مَطمَعٍ في عَلاءِ
وَيَموتُ الضَعيفُ في كُلِّ قَصدٍ
ان للموتِ أَنفسُ الضُعفاءِ
غَيرَ أَنَّ الرِجالَ لا يَعرِفونَ ال
موتَ في هَجعةٍ وَفي إِغفاءِ
أَنَّهُم خالِدون في قمة الدَهرِ
خُلودَ المُجاهدِ العَدّاءِ
لَن يَموتَ العَظيمُ إِلّا إِذا اقفَرَ
ما في الحَياةِ مِن أَحياءِ
لَن يَموتِ العَظيمُ إِلا إِذا أَخلفَ
حُبُّ القُلوب لِلعُظَماءِ
لَن يَموت العَظيمُ وَُوَ عَظيم
في سجل العَباقر الكُبراء
يَعجَز المَوتُ أَن يُحَطِّمَ نَفساً
مالَها في الحَياةِ مِن نُظَراءِ
آيةُ المَوتِ لَن تَمُرَّ عَلى الخالد
إِلّا في خاطرِ الدّهَماءِ
لا تَقولوا يَموتُ كُلُّ عَظيمٍ
بَل فَقولوا يَغيبُ في الأَضواءِ
أَيُّها الراحلُ الكَريمُ أَما قَد
دَرتَ ما في الرَحيلِ مِن آراءِ
أَينَ تَمضي يا قُرةَ العَينِ وَالقَلبِ
وَماذا خَلَّفتَ للأَبناءِ
أَيُّ داعٍ دَعا بِكَ اليَومَ فَاِنقدتَ
إَلَيهِ مِن غَيرِ ما إِبطاءِ
هُوَ داعي المَنونِ آثر أن نَفجعض
حَتّى في الكَوكَب الوَضّاء
قَد فَقَدنا لَمّا فَقَدناك رُكناً
مِن صُروحِ المَكارمِ الشَماءِ
دَكَّ مِنهُ الرَّدى وَطافَ بِهِ المَوتُ
قَوياً كَالزَعزَعِ النَكباءِ
فَتَداعت أَطرافُهُ وَتَلاشَت
بَينَ صُبحٍ منوّرٍ وَمَساءِ
وَفَقَدنا فيكَ الهُمامَ الجرئَ ال
قلبِ في حكمةٍ وَحُسنِ دَهاءِ
وَالذَكيُّ اللَبيبُ وَالمُصلِحُ الحاذقُ
حِذقَ النَوابِغِ الحُكماءِ
وَاِفتَقَدنا حَياتَنا إِذ تَولَّيتَ
بِما في الحَياةِ مِن نَعماءِ
كُنتَ فيها الضِياءَ وَالكَوكَبَ الساطعَ
فَاِنظر ما عِندَنا مِن ضياءِ
كُنتُ في عَيننا السَواد فَلَما
غَبت عَنها اَغفت عَلى الأَقذاء
كُنتَ وَاحسرَتاهُ روحاً مَن اللهِ
مُشعّاً في أَعمَقِ الأَجواءِ
فَتَوَلَّيتَ وَالجُفونُ هَوامٍ
تَتَترَّى بأَدمعٍ وَدَعاءِ
وَالقُلوبُ الضِعافُ تَكبو عَلى القبرِ
وَتَبكيكَ أَنتَ مُرَّ البُكاءِ
وَالنُفوسُ الثَكلى تَذوبُ وَتَذوي
مُوجَعاتٌ حَيرى أَمامَ القَضاءِ
حَمَلوا نَعشكَ الكَريمَ وَلَكن
أَين يَمضون بِالسَنا وَالسَناءِ
قَد تَجَنَّوا فَأَلحدوكَ وَلَو هُم
أَنصَفوا أَودَعوكَ في الأَحشاءِ
أَيُّها الهادئُ الوَقورُ أَما تُف
صِحُ عَمّا حَمَلتَ مِن أَعباءِ
قُل لِهَذا الجَمعِ الحَزينِ وَردِّد
صوتكَ اليَوم بَينَ هَذا الفَضاءِ
قُل لَهُم كَيفَ قَمتَ وَالجَوُّ يَبدو
مُكفهِراً مُلبَّدَ الأَرجاءِ
وَلَقَد خَلَّدتَ في البِلادِ وَأَسَّستَ
مِثالاً لِلعزةِ القَعساءِ
هُوَ ذا المَعهَدُ العَظيمُ لِسانٌ
ناطقٌ لِلمُؤَسِّس البَنّاءِ
شاهدٌ مُفصِحٌ يَعيدُ وَيُيدي
لَكَ بِالحَمدِ خالِصاً وَالثَناءِ
أَنتَ أَسَستَهُ عَلى خَيرِ ركنٍ
فَنَما في يَديكَ خَيرَ نَماءِ
وَاِعتَلى منكَبيكَ يَخطو وَشيكاً
بخُطى ملؤها عظيمَ الرجاءِ
أنتَ بلَّغتَهُ الثُّريّا منالاً
ثمَّ ودَّعتَهُ قَوِيَ البناءِ
أَنتَ جاهَدت في الحَياةِ وَأَدّيتَ
حُقوقَ البِلادِ خَيرَ أَداءِ
أَنا مَولايَ واقفٌ في مَكاني
واجف القَلبِ خائر الأَعضاءِ
وَعلى اِخوَتي سُهومٌ حَزينٌ
وَوجومُ المُصيبةِ الخَرساءِ
كُلَهم يُرسلُ الدُموعَ تِباعاً
مِن فُؤادٍ مُحطمِ السَوداءِ
وَيَميناً لَو اِستَطَعنا نَظمَنا
لَكَ حَبّاتِ قَلبنا في الرِثاءِ
وَجَعَلنا لَكِ القُلوبَ عُروشاً
وَالدُموعَ الحرَّى مَنابعَ ماءِ
وَبَسَطنا لَكَ الضَمائرَ بَسطاً
تَتَهادى بِالنَعشِ في خُيلاءِ
نَضَّرَ اللَهُ مَوضِعاً أَنتَ فيهِ
وَجَزاكَ الإِلَهُ خَيرَ الجَزاءِ
وَاِعتَلَيتَ في مَعارجِ الخُلدِ روحٌ
فيكَ طافَت بِسلَّمِ الأَصفياءِ
وَسعتكَ السَماءَ وَدقاً مِن الوَس
مِيِّ يهمى مِن ديمةٍ صَمّاءِ
وَسَقى قَبرُكَ المُقَدَّسَ سَيلٌ
مِن دُموعِ الطلابِ وَالعُلَماءِ
