بيروت 1979
أدوارسُ الأطلالِ تنتظرُ الفنا
أم تلك عند المنحنى بيروتُ
أقوَتْ وشرَّدتِ السنونُ رجالها
وكذا النساءَ فما لهنَّ بيوتُ
ما بالُ جوهرةِ الشآمِ وأهلها
قد صابها بعد الضياءِ خبوتُ؟
أأصابها غضبُ الالهِ فزُلزِلتْ
أم صبَّ فيها سحرهُ هاروتُ!
كم طفلةٍ غدَر الزمانُ بأمِّها
وبوالدٍ قد ضمَّهُ تابوتُ
تتدفق الدمعاتُ عبر خدودها
في الدمع يظهرُ حُزنها المكبوتُ
لا تعرف الفرح الجميلَ عُيونها
والسعدُ دوماً عندها ممقوتُ
وبوجهها دوماً سؤالٌ حائرٌ:
أين المبيتُ اليوم أين القوتُ؟
ما إن أعاينها تضجُّ مشاعري
و تكاد روحي أجلَ ذاك تفوتُ
بيروت ما لي قد رأيت على الربى
زهراً تجف جذورهُ فيموتُ!
ورأيتُ أيدي الظلمِ تبطشُ بالورى
فأنا لذلك واجمٌ مبهوتُ!
أين الجداول والخمائل أين من
تلك الوداعةِ ذلكَ الجبروتُ!
أسفِي على تلك الرياضِ ونبتِها
ذبلَ البنفسجُ والجَنَى والتوتٌ!
كم مازجتْ ريحُ الخُزَامى نشرَها
فتعطرتْ دورٌ بها وبيوتُ
لتشُكَّ إن مرَّتْ وكنتَ مصلياً
أقنَتَّ أم ما بالصلاةِ قنوتُ!
يا صاحِ إمَّا سالَ دمعُك جارياً
فاعلم بأنَّك بالجفا منعوتُ
سالت دماءُ الأبرياءِ جداولاً
وتهدمتْ من أصلها بيروتُ
هُدمت بيوتُ الله بين عشيةٍ
و ضحىً وحل محلها طاغوتُ
والعلم قد هُدَّتْ صُروحُ بنائهِ
و أصابه من بعد ذاك سكوتُ
فترقرق الدمعُ السخين مردداً
أتموتُ فاتنةُ الرُّبى فنموتُ؟
بيروتُ ما هذا الدمارُ بدائمٍ
بل تلكَ حال ٌتنقضي وتفوتُ
ستعود تبتسمُ الورودُ وينتهي
هذا الخرابُ القاتمُ الممقوتُ
وتعود تمتلئُ الحقولُ نضارةً
و يشيَّدُ المحرابُ والحانوتُ
وتعود ذاتُ الدلِّ تلبس ثوبها
فيضجَّ في أذياله الياقوتُ
وتعود بِيضُ الوُرقِ تنشدُ لحنَها
فيميلُ غصنُ البان ِثم التوتُ
فيغمغمُ الوترُ المُرنَّحُ هامساً
لله ما أحلاكِ يا بيروتُ!
