تسابيح عاشق

محي الدين فارس

ظلِّي على ظلِّي رقيبُ، وفمي على كلمي حسيبُ

ودمي يُحرِّق في دمي، ويُريبني ما لا يُريبُ

خفَّت موازيني، وما ثقلت، وأدركني المشيبُ

والديدبانُ بداخلي يقظانُ من حولي يجوبُ

يومي فأرنو حيثما يومي، ويلفحني اللهيبُ

ومشيت في كل الدروب، فترعش الخطو الدروبُ

والريح تمضغ وجه راحلتي، فيلطمها الكثيبُ

سقطت فأعياها النهوض، وراشها السهم المصيبُ

وعلى محطات الدجى أرنو، وقد دلف المغيبُ

غفرانك اللهم، كم ذا أثقلت خطوي الذنوبُ

إني على أعتاب بابك لا يفارقني الوجيبُ

أتردني ربي؟ وأنت لكل مضطر مجيبُ

ولمن أتوب؟ وأنت غفار الذنوب، لمن أتوبُ؟

هيأت للإبحار مركبتي، فمركبتي تلوبُ

وخلعت أردية التراب، فهن سرداب رهيبُ

وتركت كل حدائق الدنيا، فمورقها جديبُ

وخرجت من طينيتي، ولكل طافية رسوبُ

ويشدني لدواخلي صوت إلهي حبيبُ

صوت يقول لنا: قفوا، صوت يقول لنا: أجيبوا

هل يستوي البحران، ذا عذب وذا ملح يذوبُ؟

ماذا ادخرتم للرحيل إذا أتى اليوم العصيبُ؟

سبحان من يحيي العظام غدًا، فتنكشف الغيوبُ

يوم الموازين الكبيرة، حيث لا ظلم يحوبُ

وسبحت في الملكوت، والملكوت منفسح رهيبُ

أصغي لأنغام الوجود، وما بها نغم رتيبُ

أصغي، فكل خلية في الكون إيقاع عجيبُ

معزوفة الخلاق، سبحان البديع، له أنيبُ

ترنو العيون، وإنما تعمى بداخلنا القلوبُ

يا أيها الإنسان، إنك في مناكبها غريبُ

ضيعت عمرك في السراب، وغرك البرق الخلوبُ

هي فترة في فندق الدنيا، ويعقبها المغيبُ

فسدت قلوب الغافلين، فليلهم أبدًا ذنوبُ

وصفت قلوب الخاشعين، فليلهم ذكر وطيبُ

الساجدون الراكعون، زمانهم زمن خصيبُ

العابدون بلا ضجيج، والبكَّاؤون بلا نحيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top