في وَجهِ العُدوان

إدريس محمد جمَّاع

بي ما بِصَدرِكَ يا مِصريُّ مِن لَهَبِ

وشَجِيَّةِ الحَقِّ والتاريخِ والنَّسَبِ

عَمَّ البِلادَ ذُهولٌ لا تُحَدِّدُهُ

حُدودُ أَرضٍ ومَشبوبٌ مِنَ الغَضَبِ

هذا الدَّمُ الفائِرُ المُهتاجُ نَبعَثُهُ

نارًا ونُحرِقُ مِنهُ كُلَّ مُغتَصِبِ

بَدا عَلى مَشهَدٍ مِن كُلِّ ذي خَلَقٍ

ظُلمٌ صَريحٌ وحَقٌّ غَيرُ مُحتَجِبِ

لا عَيشَ لِلنّاسِ في دُنيا طَرائِقِها

مِن شَريعَةِ الغابِ لا مِن شَريعَةِ الكُتُبِ

إِنَّ الحُقوقَ حِمى تَحمي قَداسَتَهُ

مَشاعِرُ النّاسِ مِن عادٍ ومُنتَهِبِ

فَعالَمُ اليَومِ جِسمٌ واحِدٌ وسَرى

فيهِ الأَسى سَريانَ الحِسِّ في العَصَبِ

شَبَّ الصِّراعُ ولَولا حِكمَةٌ بَقِيَتْ

في الكَونِ لامتَدَّ في الدُّنيا سَرى اللَّهَبُ

وحِكمَةُ الكَونِ ما دامَت مُسيطِرَةً

لا حَربَ أُخرى فذِكرُ الأَمسِ لَم تَغِبِ

فيها دَمارٌ وجُهدٌ ضائِعٌ ودَمٌ

وما تَشاءُ مِنَ الأَهوالِ والرِّيَبِ

يا مِصرُ بَدَّدتِ أَحلامَ الغُزاةِ ضُحىً

وخايَلَت وَهمَهُم أُمنِيَّةَ الغَلَبِ

قَداسَةَ الحَقِّ داسوها بِأَرجُلِهِم

حَتّى جَرى دَمُها في كُلِّ مَنسَرِبِ

وكَم دَمٍ تَصدِمُ الدُّنيا بَشاعَتُهُ

فَيَجرِفُ النّاسَ في سَيلٍ مِنَ الغَضَبِ

يَحمي الحَياةَ لِهذا الجيلِ فيكَ وفي

كُلِّ الشُّعوبِ ويُضفي السِّلمَ في حُقُبِ

والنّاسُ رَغمَ فُروقِ الجِنسِ كُلُّهُمُ

لِلحَقِّ أَجنادُ جَيشٍ صاخِبٍ لَجِبِ

إِن يَحكُمِ الأَرضَ رَأيُ النّاسِ لَستَ تَرى

بِها مَكانًا لِظُلمٍ لا ولا رَهَبِ

أَتى لِنَصرِكَ شَتّى حَسبُهُم صِلَةٌ

بُغضٌ لِظُلمٍ وإِنسانيَّةُ النَّسَبِ

نازَلتَ يا مِصرُ مَن راموكَ واعتَسَفوا

ونَحنُ بَينَ شَديدِ السُّخطِ والعَجَبِ

كُلُّ العُروبَةِ لَمّا مَسَّ إِخوَتَهُم

بَأسُ المُغيرِ سَعَوا في نَخوَةِ العَرَبِ

وهَزَّ ما رَسَبَ التّاريخُ في دِمائِهِم

مِنَ البُطولَةِ والأَمجادِ في الحُقُبِ

عُروبَةٌ وَحدَةُ الإِحساسِ تَجمَعُها

كَما التَقَت في اتِّحادِ الأَصلِ والحَسَبِ

ونَحنُ يا مِصرُ شَعبٌ مِن خَلائِقِهِ

بُغضُ التَّجَنّي وَرِثناهُ أَبًا لِأَبِ

وكَم يَدٍ لَكِ في ماضي الكِفاحِ بَنَتْ

لَنا الحَياةَ فَما نَنسـاكِ في كَرَبِ

وبُورسَعيدُ نَشيدٌ مِلءُ صَفحَتِهِ

بُطولَةٌ وحَماسٌ دافِقٌ عَرَبي

وكُلُّ ساكِنِها أَجنادُ مَعرَكَةٍ

وَطِفلُها في الوَغى يَنقَضُّ كالشُّهُبِ

ما راعَها زاحِفٌ يُصلي شَوارِعَها

ولا الرَّدى هابِطًا مِن مَربَضِ السُّحُبِ

ولا البَوارِجُ فَوقَ البَحرِ تَقذِفُها

والنّارُ تُنصَبُ مِن بَعدٍ وعَن كَثَبِ

ولا حِياضُ دَمِ المُستَشهَدينَ بِها

وما تَبَدّى مِنَ الأَطلالِ والعَطَبِ

ما راعَها بَل أَثارَ النّارَ في دَمِها

فَأورَدَت ظالِميها شَرَّ مُنقَلَبِ

وكُلُّ أَرضٍ تَراءَت بُورسَعيدُ بِها

وانتابَ ساكِنَها قاسٍ مِنَ النُّوَبِ

لَو أَدرَكوا قِيمَةَ الإِنسانِ ما جَمَحَتْ

بِهِم لِمَقتَلِ حُرٍّ نَزوَةُ الأَرَبِ

وما يُساوي الَّذي تَحوي خَزائِنُهُم

مَجرى دَمٍ واحِدٍ في الأَرضِ مُنسَكِبِ

وشُعلَةُ الحَقِّ مَن يَنفُخ لِيُخمِدَها

يَزدَد تَوَهُّجُها وَقدًا ولا يَصِبِ

بَنو الفِداءِ بَنو مِصرٍ وما سَكَنوا

يَومًا لِضَيمٍ وحَيّا المَجدُ كُلَّ أَبي

وخَيرُ ما وَرِثَ الآباءُ في وَطَنٍ

بِالأَرضِ حُرِّيَّةُ الأَوطانِ لِلعَقِبِ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top