درة الأماني

المجتبى محمد عثمان

قلْ للوَضِيئَةِ كالشِهَابِ المُوْقَدِ

بالوصل جودي للمشوق المبعدِ

ما غير وصلك يا مليحة بلسمٌ

فيه الشفاء لعاشقٍ دنِفٍ صدي

قد كاد يرديني التلهّف بعدما

أوهى الصدودُ تصبّري وتجلّدي

ما بين صدّكِ والوصال حكايةٌ

تغزو الشكوك بها حصونَ تأكدي

رفقاً بصبٍّ قلبهُ ذلّ الهوى

من قبل أن يلقاك لم يتعوّدِ

إن كان ذا منك الدلال فإنّه

حقّ لدلال لحسنك المتفرّدِ

يا ربّة الخدر العزيز نوالها

ما بال قلبك في الهوى كالجلمدِ؟!

حتى متى يُرضى الصدود وهجرنا

هلّا ثناك تعطّفي وتودّدي

إنّي لأعلن أنّ حبّك مالكي

إنّي لأعشق في هواك تقيّدي

أهدي لك الأفراح في أبهى حلى

كالورد في الروض الأنيق المسعدِ

هل قد علمت بأنّه يا منيتي

قلبي لغيرك في الهوى لم ينقدِ

يا درّةً حفظ الحياءُ نقاءَها

يبقى ودادك في فؤادي سرمدي

كم كان يعجبني إذا ما قد دعت

قلبي الحسان إلى الغرام تمرّدي

ولكم بخلقي أعجبت ونباهتي

ومواهبي وبساطتي وتعقدي

من كل ّ فاتنةٍ بقوس لحاظها

ترمي سهام الفتك في المتصيّدِ

حتى إذا ما لي تبدّى وجهها

في الحين أمست تلك ساعة مولدي

وتغيّرات المرء عن أحواله

عاداتها أن لا تجيئ بموعدِ

ما يجعل الدنيا مشوقةً لنا

أن ليس نعلم ما سيحصل في غدِ

قد كنت أحسب قبلما أن نلتقي

من قد تضاهي الحور لا لم توجدِ

يحي السرورَ لقاؤُها في خاطري

ويزيل همّي في الزمان الأنكدِ

ما لونها في النور أو في ظلمةٍ

في فضّةٍ أو قد يرى في العسجدِ

وكأنّما شمس الغروب بوجهها

ذابت على قمر السماء الأجودِ

إنّ السعادة حين يشرق حسنها

تهمي كغيثٍ غامرٍ عند الندي

يزداد من رام الشفاء بِرَمقِها

سقماً بسحر جمالها المتجددِ

للثغر يبدو من تبسّمها سنا

كالبرق في الليل البهيم الأسودِ

والقول في فيها لذيذٌ مشتهى

من صوتها وذكائها المتوقّدِ

تهتزّ كالغصن الرطيب إذا مشت

والريح تنفح بالشذى الأرج الندي

لله هاتيك الملامح إنها

باحت بأسرار الجمال الشرّدِ

ذاك الجمال تزينه آدابها

غنيت به عن لؤلؤٍ وزبرجدِ

لا عيب فيها غير أنّ فعالها

بالعاشقين كفعلها بالحسّدِ

كيف السلوّ وذا البعاد يزيدني

حبّاً لها وكذا دوام تردّدي!

يا ليت شعري هل يُلمّ شتاتنا

إنّ الأسى إن نجتمع يتبددِ

أبهى اللذائذ ما تسوق لعالمٍ

يُنهي الشعور بغيرها إذ تبتدي

هيَ جنةٌ تحلو الحياة بقربها

طول المدى للعاشقِ المتزوّدِ

هيَ وحي إبداعي وبهجة مهجتي

وقداسة الذكرى وإشراق الغدِ

هيَ كأسُ حبٍّ مبهرٌ إمتاعه

ما إن تُعِد منه التعاطي يزددِ

ياعاذلي دع عنك لومي في الهوى

ما قد يزيد العزلُ غير تشددي

إنّي لعمري ليس يوقعني الهوى

في هوّة الفحشاء في الدرب الردي

مالي وروحي دون من أهوى فدى

قسماً وذا فعل المحبّ الأمجدِ

ما قيمة الغايات إن حدنا لها

في السير عن نهج الطريق الأرشدِ

لو أن أموت من الصدى لا أستقي

ما قد يحطّ كرامتي من موردِ

إنّ الكريم إذا تضايق أمره

أمضى التصبر للمقام الأبعدِ

استعذبت نفسي العذاب بحبها

لو كان فيه هلاكها لا تفتدي

ولقد بلغتُ بعشقها أقصى الهوى

حيث الجنون لمن يجيئ بمرصدِ

فابذل جهودك في مرادك إنهُ

غير الذي زرّعته لم تحصدِ

ترقى بمقدار النُّهى هِمم الفتى

والمجد يأبى أن يذلّ لقعددِ

إنّ الكريم يرى عليه لنفسه

تبليغها في المجد أعلى مقعدِ

والمرء قيمتهُ يكون قرارها

رهن الفعائل في الجسيم المجهدِ

إنّي امرؤٌ راقي الشمائل ماجدٌ

دوماً تباري في الندى قولي يدي

من معشرٍ كالأُسْدِ في غاباتها

كرماء أسيادٌ لكلّ مسوّدِ

فيه الذي يهوى الصديق وجوده

وكذا به ما قد يسوء المعتدي

ما زلت منذ وعيت في الدنيا أرى

نفسي بها الأقران دوماً تقتدي

ما قد عهدت النفس منيّ ترتضي

سعياً لها غير العلا والسؤددِ

إنّ الفتى من عاش يرسم عمره

في الصورة المثلى بضوء المقصدِ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top