رسالة إلى النيل
أَشْكُوهُ لَا .. حَاشَاهُ
لَمْ أَسْمَعْ بِعَرَقٍ قَدْ شَكَ دَمَهُ
وَلَا بِفَمٍ شَكَ فَمَهُ
فَكَيْفَ وَأَنْتَ زَادُ البَيْتِ
فَكَيْفَ قَدِرْتَ أَنْ تَنْسَى وَتَهْدِمَهُ
وَلَا أَشْكُو..
وَتَعْبُرُ سَاعَةُ التَّوْدِيعِ خَاطِرَتِي
تَلَاقَيْنَا وَكَانَ لِقَاؤُنَا بَرًّا
كَظَهْرِ القِطِّ يَسْتَبْقِي بِبَطْنِ الكَفِّ مَيْسَتَهُ
وَرِمْشُ المَوْجِ فِي خَجَلٍ يَرُشُّ عَلَيَّ نَعَسَتَهُ
أَمْشُطْتُ كُنْتُ شَعْرَ المَوْجِ أَذْكُرُ
يَقْشَعِرُّ المَوْجُ ثُمَّ أَلْأَيْنُ ثُمَّ يَلِينُ لَمَسَتَهُ
فَمِنْ أَيْنَ اسْتَعَرْتُ القَرْنَ وَالأَنِيَابَ مِنْ أَيْنَا
وَيَا كَيْفَ اخْتَرَمْتَ بِهِمْ جِدَارَ القَلْبِ وَالعَيْنَا
وَهَلْ يَا نِيلُ آهٍ مِنْ خِيَامِ الغَيْمِ تَنْزِلُ
بَيْنَ بَابِينَا
وَتَدْخُلُ أَنْتَ مِنْ لَا بَابٍ بَيْنَ اللَّحْمِ وَالعَظْمِ
تُضِيعُ الخُبْزَ وَالخَبَّازُ تَسْخَرُ مِنْ
صَرَاخِ الرُّعْبِ وَاللَّطْمِ
فَأَعْلَى عَاصِمٌ لِلْطِّفْلِ كَتِفُ أَبِيهِ
أَعْلَى عَاصِمٌ لأَبِيهِ كَفُّ أَخِيهِ فِي المُنْفَى
فَهَلْ لَبَنٌ عَلَى صَوْمٍ يُرَطِّبُ حَلْمَةَ الأُمِّ؟
فَيَا نُوحُ
أَنَا وَالدَّارُ مَهْشُومَانِ وَالحَلْقُومُ مَبْحُوحٌ
فَأَيْنَ الفُلْكُ قُلْ يَا رَبُّ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ
وَقُلْ لِسَمَائِكِ اقْتَصِدِي
فَإِنَّ السَّقْفَ مَجْرُوحٌ
وَأَعْلَى عَاصِمٌ أَنْتَ
قَضَيْتَ فَكُنْتَ ثُمَّ أَرَدْتَ ثُمَّ فَعَلْتَ مَا شِئْتَ
تَعَالَيْتَ..
وَلَا أَشْكُو
وَتَعْبُرُ سَاعَةُ التَّوْدِيعِ خَاطِرَتِي
يُحَيِّرُنِي خُضُوعُ النِّيلِ سَاعَتَهَا
وَمَلْمَسُ ظَهْرِهِ تَحْتِي…
فَكَيْفَ تُخَبَّئُ الأَمْوَاجُ خَلْفَ جَمَالِهَا مَوْتِي
وَتُخْفِي الرَّعْدَ فِي الصَّمْتِ
لَقَدْ نَادَيْتُ
لَفَّ المَوْجُ خَاصِرَتِي
تُرَى هَلْ جَاءَكُمْ صَوْتِي..
مَذْبَحُ الوَتَرِ الشَّهِيدِ
لَمْ يَكُنْ فِي القَبْوِ غَيْرُ كَمَنْجَتِي
وَالْقَوْسُ، وَالوَتَرُ الوَحِيدُ
وَأَنَامِلُ الأَضْدَادِ تَحْتَلِبُ الصَّدَى
فَيَعُودُ يَنْفُضُ رِيشَهُ النَّامِي بِحَنَجَرَةِ النَّشِيدِ
وَيَظَلُّ يَسْأَلُ عَنْكِ خَرِيطَةً.. يُنَادِي نِصْفُهُ:
يَا قَلْبُ .. نِصْفُكَ أَيْنَ؟
يَبْكِي:
إِنَّ أَشْوَاقِي … وَيَبْكِي
إِنَّهُ طَيْرُ الصَّدَى المَسْجُونُ يَنْفُضُ رِيشَهُ
نَادَاكَ:
سَارِيَةُ الحَبِيبِ
وَالْخَيْلُ عَاصَتْنِي..
عَتَقْتَ الخَيْلَ أَجْرِي كُنْتُ وَالأَشْوَاقُ تَجْرِي
وَالْهَوَاجِسُ تَلْعَقُ العُمْرَ الَّذِي
يَجْرِي وَأَجْرِي
يَا حَبِيبُ..
مِنْ نَحْلِ حُبِّكَ آهِ.. مِنْ
خَوْفِي عَلَيْكَ، مِنَ الصَّدَى المَسْجُونِ…. لَا..
لَنْ تَبْلُغَ السِّكِينُ ظِلَّكَ
هَذِهِ عُنُقِي.. وَأَجْرَى
إِنَّهُ طَيْرُ الصَّدَى المَسْجُونُ حِينَ عَبَرْتُ
أَوْجَسَ خَيفَةً
وَوَجَدْتُ وَاجِهَةَ المَدِينَةِ نَافَقَتْ بِاسْمِي
بِأَعْلَى صَوْتِهَا..
وَلَوِ افْتَ القَبْوُ القَدِيمَةُ نُكِسَتْ
وَالْصِّدْقُ وَالشُّعَرَاءُ وَالغَوِينُ مَاتُوا..
وَالْصَّدَى وَالرِّيْشُ وَالأَحِبَّابُ فَاتُوا
ثُمَّ أَبْكِي.. ثُمَّ أَجْرِي..
ثُمَّ أُقْطُ فِي دَمِ الوَتَرِ الشَّهِيدِ
قَدْ كَانَ شِرْيَانِي وَآخِرُ شَهْقَةٍ لِلشِّعْرِ مِنِّي
إِنَّنِي.. حَرِمْتُ بَعْدَكَ جُرْعَةَ المَعْنَى
وَطَلَّقْتُ الغِنَاءَ
فَلْتَقْفَعِ الكَلِمَاتُ أَعْيُنَهَا عَلَى الوَتَرِ الَّذِي
قَدْ كَانَ شِرْيَانِي
وَبُرَّءَ اليَتِيمِ وَالعُمْرِ الجَدِيدِ
