رحلةُ النيل
النيلُ من نشوةِ الصهباءِ سلسلَةٌ
وساكنوهُ النيلُ سمارٌ وندمانُ
وخفقةُ الموجِ أشجانٌ تجاوبُها
من القلوبِ التفاتاتٌ وأشجانُ
كلُّ الحياةِ ربيعٌ مُشرِقٌ نَضِرٌ
في جانبيهِ وكلُّ العمرِ ريعانُ
تمشي الأصائلُ في واديهِ حالمةٌ
يَحفُّها موكبٌ بالعطرِ ريانُ
وللخمائلِ شدوٌ في جوانبهِ
له صدى في رحابِ النفسِ رنانُ
إذا العنادلُ حيا الليلَ صادحَها
والليلُ ساجٌ فصمتُ الليلِ آذانُ
حتى إذا ابتسمَ الفجرُ النضيرُ لها
وباكرتهُ أهازيجٌ وألحانُ
تحدرَ النورُ من آفاقهِ طربًا
واستقبلته الروابيُ وهو نشوانُ
تدافعَ النيلُ من علياءِ ربوتِهِ
يحدو ركابُ الليالي وهو عجلانُ
ما ملَّ طولُ السرى يومًا وقد دفنتْ
على المدارجِ أزمانٌ وأزمانُ
ينسابُ من ربوةٍ عذراء ضاحكةٌ
في كلِّ مغنى بها للسحرِ إيوانُ
حيثُ الطبيعةُ في شرخِ الصباولِها
من المفاتن أترابٌ وأقرانُ
وشاحُها الشفقُ الزاهيُ وملعبُها
سهلٌ نضيرٌ وآكامٌ وقيعانُ
وربُّ وادٍ كساهُ النورُ ليس له
غيرُ الأوابدِ سمارٌ وجيرانُ
وربُّ سهلٍ من الماءِ استقرَّ به
من وافدِ الطيرِ أسرابٌ ووحدانُ
ترى الكواكبُ في زرقاءِ صفحتهِ
ليلا إذا انطبقتْ للزهرِ أجفانُ
وفي حمى جبلِ الرجافِ مختلبٌ
للناظرين وللأهوالِ ميدانُ
إذا صحا الجبلُ المرهوبُ ريعٌ له
قلبُ الثرى وبدتْ للذعرِ ألوانُ
فالوحشُ ما بينَ مذهولٍ يصفدهُ
يأسٌ وآخرُ يعدو وهو حيرانُ
ماذا دهى جبلُ الرجافِ فاصطرعتْ
في جوفه حرقٌ وارتجَّ صَوانُ
هل ثار حين رأى قيدًا يكبلهُ
على الثرى فتمشت فيه نيرانُ
والنيلُ مندفعٌ كاللحنِ أرسلهُ
من المزامير إحساسٌ ووجدانُ
حتى إذا أبصر الخرطومَ مونقةً
وخالجته اهتزازاتٌ وأشجانُ
وردد الموجُ في الشطينِ أغنيةً
فيها اصطفاقٌ وآهاتٌ وحرمانُ
وعربد الأزرقُ الدفاقُ وامتزجا
روحًا كما مزج الصهباءُ نشوانُ
وظلَّ يضرب في الصحراء منسربًا
وحوله من سكون الرملِ طوفانُ
سارَ على البيدِ لم يأبه لوحشتِها
وقد ثوت تحت ستر الليلِ أكوانُ
والغيمُ مدَّ على الآفاقِ أجنحةً
ونام في الشطِّ أحقافٌ وغدرانُ
