ومضة

عُلا عبد الكريم

مساءً كنت جالسةً

وفي قلبي شعورٌ مبهجٌ وأملْ

تصافح أذنيَ الضحكاتُ، مبعثها بيوتٌ خُضِّبتْ بالأنسِ

دافئةٌ كما المخملْ

أدندنُ أغنياتٍ كان يلقيها عليَّ أبي

《أنا عربي،

هنا السودان مهدي أرض أجدادي، لنهضته أنا أعملْ》

فيغشاني شعورٌ جارف بالحبِّ

يغمرني، به أثملْ

ويحملني على كتفَيهِ

نحو عوالمٍ أخرى

فأوقن إنها ذكرى

أنا في واقعٍ مرٍ

كئيبٍ طعمه حنظلْ

بأطرافٍ ممزقةٍ

يطلُّ بناظريَّ العالمُ العربي

كسيرٌ دون عكازٍ

على محياهُ آثارٌ من التعبِ

ينوحٌ جوىً، ويستجدي

يلحُّ عليَّ بالطلبِ

وفي عينيهِ مأساةٌ تشي بمصيبةٍ عظمى

يسائلني وما ذنبي؟

أقرِّبهُ ليحكي لي

فيُطرقُ رأسهُ خجِلاً ويهمسُ لي: بلا سببِ

أنا أدري

ولي علمٌ يقينٌ بالذي يجري

وجرحي مثل جرحكَ غائرٌ نَزِفٌ

وأحزاني أخبئُها على صدري

وفقدي موجع جداً

وقاسٍ لو ترى قدري

أنا مبتورة الأطراف وترٌ أتقنوا بتري

بلا مأوى

وفي جنبيَّ داءُ الفقد يستشري

تركتُ هناكَ منزلنا

تفاصيلاً

وضحكاتٍ

وأشياءً

ظللتُ العمر أجمعهن مذْ صغري

تركتُ هنالك الجيرانَ والأصحابَ

رُغماً عن تعاهدنا

تفارقنا، فراقاً موجعاً قسري

خرجنا نحمل المِفتاحَ في يدنا

على أملٍ بعودتنا

ولم ندرِ

بأن فراقنا سيطولُ

تحت مظلةِ السفر

نزحنا بلدةً أخرى

فصارت بلدتي ذكرى

تؤرقني

فأسقي الشوق بالصورِ

عزيزي الموطنُ العربي

نكبتنا جماعية

فهاهو موطني يبكي

بدمعةِ طفلِ سورية

على أطلالِ أندلسٍ

تغنينا بمرثية

بكينا غزة الغراء، والخرطوم مبكية

ولبنانَ

دعونا الله أن تحيا بسلمية

تذكرنا مواضينا

وماضينا

وإيماناً تغلغل في أراضينا

بأن نتسيَّد الدنيا

بأنظمةٍ مثالية

ولكننا تباعدنا؛

فأضحى كسرُنا سهلاً

تراخينا؛ فأضحى الدين منسياً

رضخنا للعدوِّ؛ عتى

إلى حكامنا التفتَ

فصيَّرهم كأغنام على الكثبان مرعية

فهاجرنا

لننقذ ما تبقى من سلالتنا

محملةً بأحزانٍ وأحداثٍ حقيقية

وفي أعماقنا جمرٌ

غداً سيثور بركاناً

ليأخذ منهم الدية

بهذي الأرض موقعنا

ولكننا عبادُ الله، وجهتُنا سماوية

ونؤمنُ أنها ستزول يوماً ما:

نعودُ إلى منازلنا

ندندنُ لحنَ أغنية

تصافحُ أذننا الضحكاتُ

يسري في العروق الحبَّ

نسقي شوقنا

ونصيحُ إنا قد تعافينا

وصارت حالنا أفضلْ

وأتذكرْ

بأني دائماً 《عربي

هنا السودان مهدي أرض أجدادي

لنهضته أنا أعملْ》

ليحيا هانئاً حراً

وما عشناهُ في الماضي، يصير الآن مستقبلْ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top